في ليالٍ هادئة من الرحبة القديمة، كان درب أعرجان يكتسب إيقاعاً خاصاً مع حلول السكون. يجلس الراوي وحيداً قرب ضريح ابن برجان، المتصوف والزاهد المعروف، فيما تنساب من سماعات وولكمان قديم ضربات طبلة ذاكر حسين. لم تكن الموسيقى آنذاك خلفية عابرة للعزلة، بل حضوراً يملأ الفراغ الداخلي ويمنح الليل معنى آخر، في مكان تختلط فيه الذاكرة بروح الحي العتيق.
ارتبط صوت ذاكر حسين، في تلك التجربة الشخصية، بلحظات التأمل والانفراد. فقد بدا الموسيقي الهندي، رغم المسافة، رفيقاً روحياً يجاور الراوي في ساعات الوحدة. كانت إيقاعات الطبلة تلتقي بصمت الأزقة، فتمنح المكان فضاءً وجدانياً لا تحده الجغرافيا ولا تفصله اختلافات الثقافة أو الدين. وبين الضريح والليل وسماعات الجهاز المحمول، نشأت علاقة خاصة بين ذاكرة المكان ولغة الإيقاع.
في تلك السهرات المنفردة، لم تكن طبلة ذاكر حسين حاضرة وحدها. كانت تتجاور في الذاكرة الموسيقية مع سيتار رافي شانكار ومع صوت نصرت علي خان، فتتشكل منها لوحة سمعية تجمع الإيقاع والوتر والغناء الروحي. وقد بدت هذه الأصوات، في سياقها الشخصي، كأنها تعبر الأزمنة والأمكنة، وتصل بين عالم الرحبة القديمة وعوالم موسيقية بعيدة في الهند وشبه القارة الآسيوية.
منحت تلك الموسيقى الراوي ملاذاً من شعور العزلة الروحية. فالدقات المتتابعة لم تكن تُستقبل بوصفها أصواتاً مجردة، بل باعتبارها لغة يتلقاها القلب قبل العقل. ومع كل استماع، كانت فكرة الموسيقى باعتبارها جسراً إنسانياً تتأكد لديه؛ جسراً يمكنه أن يمر فوق الحواجز الثقافية والمعتقدات المختلفة، وأن يصل التجارب الفردية المتباعدة في لحظة إنصات واحدة.
ولذلك تحولت ليالي الرحبة القديمة إلى طقس خاص، يجمع بين سكون المكان وحضور الذاكرة وإيقاع الطبلة. كان ضريح ابن برجان يجاور المشهد بوصفه علامة روحية من الحي، بينما تمنح موسيقى ذاكر حسين للعزلة بعداً آخر. في ذلك التداخل، لم تعد الوحدة انقطاعاً كاملاً، بل صارت فسحة للإنصات والتأمل واستعادة الصلة بما هو أبعد من اليومي والعابر.
ومع رحيل ذاكر حسين، بقيت أصداء طبله حاضرة في ذاكرة تلك الليالي. تختلط الإيقاعات بعبق الرحبة وصور درب أعرجان وملامح الوولكمان القديم الذي حمل الموسيقى إلى الجالس وحيداً في الظلام. ولا تنفصل هذه الذكرى عن ما تركته التجربة من أثر: أن الصوت قد يرافق الإنسان في عزلته، وأن الموسيقى يمكن أن تمنح القلوب المتعبة سكينة لا تحتاج إلى ترجمة.
في صمت الليل، تظل طبلة ذاكر حسين تتحدث بلغة تستعيدها الذاكرة، لغة لا تتطلب سوى الإصغاء.








