هل يمكن أن يكون الغموض أداة، لا عيبًا؟
عندما لا ترى بوضوح، لا تتوقف عن الرؤية؛ أنت فقط تغيّر العدسة. الضباب يدفعك إلى تشغيل أنظمة أخرى: الحدس بدل التفاصيل، الذاكرة بدل اللحظة، والخيال لملء الفجوات. في عالم مهووس بالدقة الفورية، هذه مهارة نادرة. لأن ما نعتبره وضوحًا ليس إلا اختصارًا مريحًا، بينما الحقيقة غالبًا مركّبة، متحركة، وغير مكتملة.
اللايقين ليس فراغًا، بل مساحة عمل. في الصحافة كما في الحياة، أفضل الأسئلة تولد حين نعترف بأن عدم اليقين جزء من الصورة، لا خلل فيها. هنا يظهر التفكير كفعل استكشاف لا كبحث عن إجابة نهائية. حتى الدماغ يعمل بهذه الطريقة؛ يبني توقعات ويحدّثها باستمرار، كأنه يتنقّل داخل ضباب من الفرضيات.
المشكلة ليست في أن الرؤية مهتزة، بل في اعتقادنا أن الثبات شرط للفهم. الضباب يدرّبك على الإصغاء، على الشك المنتج، وعلى قبول أن بعض المعاني لا تُرى مباشرة بل تُستنتج.
ربما الوضوح الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن مطاردة اليقين، ونبدأ في استخدام الضباب.


